ابن الجوزي
174
صفة الصفوة
ستا وثمانين سنة ، فقال لي : اجلس فقد رأيتك تتبعني في أول يوم وعرفت خبرنا بالأمس واليوم ، سمعت أحمد بن يونس اليربوعي يقول : سمعت مالكا يقول : سمعت نافعا يقول : عن عبد اللّه بن عمر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال لعمر وعليّ رضي اللّه عنهما : « إذا أتاكما اللّه بهديّة بلا مسألة ولا استشراف نفس فاقبلاها ولا تردّاها فتردّ لها على اللّه عزّ وجل » . وهذه هدية من اللّه والهدية لمن حضر . ثم قال يا لبابة وفلانة وفلانة . فصاح ببناته وأخواته وزوجته وأمها وقعد وأقعدني فصرنا عشرة فحل الهميان وقال : ابسطوا حجوركم فبسطت حجري وما كان لهنّ قميص له حجر يبسطونه ، فمدّوا أيديهم وأقبل يعدّ دينارا دينارا حتى إذا بلغ العاشر إليّ قال : ولك دينار حتى فرغ الهميان وكانت ألفا فيها ألف فأصابني مائة دينار ، فداخلني من سرور غناهم أشدّ مما داخلني من سرور صيانتي بالمائة دينار . فلما أردت الخروج قال لي : يا فتى إنك لمبارك وما رأيت هذا المال قطّ ولا أمّلته وإني لأنصحك أنه حلال فاحتفظ به واعلم أني كنت أقوم فأصلي الغداة في هذا القميص الخلق ثم أنزعه فيصلّين فيه واحدة واحدة ثم أكتسب إلى ما بين الظهر والعصر ثم أعود في آخر النهار بما فتح اللّه عزّ وجل لي من أقط وتمر وكسيرات ومن بقول نبذت ثم أنزعه فيتداولنه فيصلين فيه المغرب وعشاء الآخرة ، فنفعهن اللّه بما أخذن ونفعني وإياك بما أخذنا ، ورحم صاحب المال في قبره وأضعف ثواب الحامل للمال وشكر له . قال ابن جرير : فودّعته وكتبت بها العلم سنتين أتقوت بها وأشتري منها الورق ، وأسافر وأعطي الأجرة . فلما كان بعد سنة ست وخمسين سألت عن الشيخ بمكة فقيل : إنه مات بعد ذلك بشهور ، ووجدت بناته ملوكا تحت ملوك ، وماتت الأختان وأمهن ، وكنت أنزل على أزواجهن وأولادهن فأحدّثهم بذلك فيأنسون بي ويكرموني ، ولقد حدّثني محمد بن حيان البجلي في سنة تسعين ومائتين أنه ما بقي منهم أحد . فبارك اللّه لهم فيما صاروا إليه .